أجواء رمضان لدى ساكنة الصحراء

13

مع مغيب شمس آخر يوم من شهر شعبان في كل المدن  والقرى والبوادي بالأقاليم الصحراوية  الجنوبية  للمملكة تتطلع أنظار الساكنة نحو الأفق الغربي لعلها تحظى برأية هلال الشهر الجديد لتبتهل بكل خشوع وإيمان بدعاء الخير والتبرك بفضائله وعقد النية لصيامه وإحياء لياليه  في كل المساجد المشيدة منذ استرجاع هذه الربوع إلى حضيرة الوطن و البالغ عددها اليوم  والى حدود شهر رمضان لسنة 2016  49 مسجدا بمواصفات جيدة وعلى الطراز المعماري المغربي  الأصيل  كان أولها مسجد مولاي عبد العزيز المفتتح في يوليوز من سنة 1979 بمناسبة عيد الشباب  آنذاك  مع الإشارة إلى أن مرحلة الاستعمار لم ينجز فيها سوى مسجد وحيد تم تصميمه عل شكل كنيسة قبل أن يتم اغلاقة منذ مايقارب خمسة سنوات  بسبب التصدع والهشاشة في البناء في انتظار تدشين 10 مساجد  أخرى جديدة .                                                                   

وتبقى الاستعدادات المادية جد عادية بالنسبة للأغلبية الساحقة من ساكنة الأقاليم الصحراوية، حيث لازالت تحافظ على ثقافتها وتقاليدها ونمط عيشها في هذا الشهر، وبالمقابل نجد أسر أخرى أصبحت بحكم التمدن والتحديث الاجتماعي الذي عرفه المجتمع الحساني بالأقاليم الصحراوية تساير هذا التطور في تقديم وجبة الفطور والسحور بشكل لا يختف عن باقي المناطق الشمالية من المملكة.         

 وقد تزامن هذا الشهر الفضيل في هذه  السنة  بأجواء الصيف والامتحانات  والاستعداد للعطلة الصيفية وانتقال عدد كبير من الأسر إلى  منتجع فم الواد الواقع غرب مدينة  العيون  حوالي 25 كلم ومن بين العادات المنتشرة بهذه الربوع خاصة بعد صلاة العصر، تواجد بعض الرجال هنا وهناك في شكل حلقات جالسين القرفصاء، أو مفترشين الحصير لمزاولة لعبة الضومينوالاسبانية. إلى موعد الإفطار ليتم تعيين  عشاء التناوب بمنزل أحد أفراد هذه الجماعة أو تلك بالإضافة إلى لعبة (ظامة) وهي عبارة عن رقعة من الرمال لا تتعدى مساحتها 50 سنتيم تتواجد بها 80 حفرة صغيرة حيث يلعب متباريان وتحيط بهما مجموعة من المتفرجين ومقدمي النصائح، مع ما يرافق ذلك من تعليقات ساخرة يحاول بها كل طرف إثارة أعصاب الطرف الآخر في جو يسوده المرح والفرجة و في نفس الوقت تنهمك النسوة في إعداد وجبة الفطور  المتكونة من حساء الشعير أو من المكلي أو العادي  والتمر ولبن النوق والشاي ومن سنام و كبد الإبل المشوي في الفرن أو على الفحم أو مطبوخا في الماء من دون توابل ومن بين أهم الألعاب المنتشرة الخاصة بالنساء لعبة السيك الذهنية حيث تتطوع إحدى السيدات قبل البدء في هذه اللعبة في التحضير لإعداد مشروب الشاي بطقوسه وبجيماته الثلاث : أجمر، أجماعة، والجر بمعنى الفحم المشتعل، والحوار والمناقشة في مواضيع مفيدة ومسلية ، وطول مدة إعداد الشاي حيث تصل في بعض الحالات إلى أكثر من أربع ساعات لشرب ثلاثة كؤوس صغيرة جدا من الشاي بقليل من السكر و من دون نعناع وتتم لعبة السيك بسبع خشيبات يقارب طولها 30 سنتيما ولكل واحدة اسم معين : السيكا، لربعا، البكرة، الفروة. وتلعب هذه اللعبة جلوسا بين سيدتين فما فوق في شكل دائري والفريق المنهزم ينسحب ويترك مكانه لفريق جديد وهكذا دواليك وتنظم هذه الألعاب في منازل المتنافسات بشكل التناوب المعروف ب: (اسويرتي) لتختتم بحفل عشاء يتشكل من الأرز ولحم الإبل واللبن قبل موعد وجبة السحور المهيأة من دقيق الشعير المكلي والماء الساخن و(الدهن) زبدة الماعز والعسل، وفي حالة عدم وجود هما يتم تعويضهما بالزبدة البلدية وزيت الزيتون   وتسمى هذه الأكلة ب : بولغمان  بالإضافة إلى اللبن والشاي. وتستمر هذه العادات والتقاليد الرمضانية إلى ما قبل ليلة القدر لإحياء هذه الليلة المباركة والاستعداد لعيد الفطرويتميز ليل الصحراء بشكل عام بالرطوبة المعتدلة وهبوب الرياح خاصة حين تكون درجات حرارة النهارجد مرتفعة  مما يجعل الساكنة تخرج  الى  ساحات وشوارع المدينة  كمحج محمد السادس  وشارع مكة  وساحة المشور  وشارع إدريس الأول وسوق ارحيبة  وشارع القيروان و الفضاءات الأخرى  الثقافية الموازية التي خصصت لها الجهات المسؤولة ميزانية مهمة لخلق أجواء الفرجة والترفيه عبر مجموعة من المنصات بمختلف أحياء وساحات المدينة   لتنظيم سهرات شعبية في هذه المدينة التي أصبح تعداد سكانها يقارب 250 الف  نســــــــــــــــــــــــــــمة                                                                              

            مبارك العمري            

 

التعليقات مغلقة.