بلقاضي يستخرج رسائل من ركام “الزلزال السياسي” للخطاب الملكي

26

.مليود بلقاضي*

الاثنين 16 أكتوبر 2017 – 06:00

بعد خطاب عيد العرش المزلزل للطبقة السياسية بكل أطيافها، انتظر الرأي العام المغربي- بشغف كبير- قرارات جلالة الملك في حق من أشار إليهم في هذا الخطاب الذي يعد أقوى خطاب وجه فيه ملك البلاد انتقادات قاسية إلى الأحزاب وإلى زعمائها وإلى الحكومة وأعضائها وإلى رجال السلطة والمنتخبين وكبار المسؤولين عن تدبير الشأن العام.

وقد استغل عاهل البلاد الخطاب الموجه إلى البرلمانيين ليعيد الأمور إلى نصابها ويؤكد – من جديد- أن تعنت المسؤولين واستمرارهم بالاستهتار بمضامين الخطابات الملكية الموجهة إليهم قد تدفع جلالته إلى إحداث زلزال سياسي وفق منطوق الفصول 51 و96 و97 و98 من الدستور، وهذا ما يستشف من مرتكزات ورسائل الخطاب الملكي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس يوم الجمعة 13 أكتوبر 2017 بمناسبة ترؤس جلالته لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة.

مرتكزات ورسائل الخطاب:

ا-مرتكزات الخطاب: بلغة الحسم، أكد الخطاب الملكي بالبرلمان أن زمن النقد انتهى وحانت نهاية هذا المسار وبداية مرحلة أخرى وصفها بـ”الحاسمة” وبـ”القائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة”؛ بل إن ملك البلاد أقر، في خطابه أمام البرلمانيين، بأن ما سيقدم عليه يمثل محطة تأسيس لمقاربة وصفها بـ”الناجعة” وبـ”المسيرة الجديدة “، مؤكدا أن هذه الإجراءات هي من صميم صلاحياته الدستورية، وتجسيدا للإرادة الملكية القوية في المضي قدما في عملية الإصلاح، وإعطاء العبرة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، للبرهنة أن زمن العبث انتهى وحان زمن وضع حد للمتلاعبين بمصالح الوطن والمواطنين والمسيئين إلى النظام السياسي لكون الوضع اليوم كما قال جلالته: “أصبح يفرض المزيد من الصرامة، للقطع مع التهاون والتلاعب”.

ب- رسائل الخطاب: أهم ما يثير في هذا الخطاب تعدد الرسائل إلى من يهمه الأمر؛ ومن أهمها نذكر:

الرسالة الأولى: أكد جلالته أن مرجعية خطابه بالبرلمان هي مضامين خطاب عيد العرش الذي قدم فيه جلالته تشخيصا للاختلالات والصعوبات التي تعيق تطور النموذج التنموي المغربي، مؤكدا أن ما جاء في هذا الخطاب ليس غاية في حد ذاته بل نهاية لمسار التشخيصات وبداية مسار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛

الرسالة الثانية: تأكيد جلالة الملك أن خطاباته لا تمارس النقد من أجل النقد؛ بل إنها إطار عمل لمعالجة الأوضاع، وتصحيح الأخطاء، وتقويم الاختلالات. إنها قناعة ملكية بربط الأقوال بالأفعال لتصبح للكلمة معنى ودلالة في زمن هيمنت فيه الثرثرة السياسية والخطابات السياسوية الكاذبة؛

الرسالة الثالثة: تأكيد ملك البلاد أن خطابه أمام البرلمان هو مرحلة تأسيس لمقاربة ناجعة، ولمسيرة من نوع جديد تدخل في صميم صلاحياته الدستورية، وتجسيدا لإرادته القوية في المضي قدما في عملية الإصلاح، بهدف إعطاء العبرة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، خصوصا في وقت وصلت فيه الأمور إلى مرحلة خطيرة أصبحت تفرض المزيد من الصرامة، للقطع مع التهاون والتلاعب بمصالح المواطنين؛

الرسالة الرابعة: التأكيد على أن الوضعية الخطيرة للأوضاع بالبلاد لم تعد تقبل لمزيد من التشخيصات؛ بل إنها أصبحت تتطلب – وبكيفية استعجالية- البحث عن البدائل والحلول لواقع يعاني من تخمة التشخيصات وقلة المبادرات والبدائل؛

الرسالة الخامسة: مطالبة المجلس الأعلى للحسابات القيام بمهامه في تتبع وتقييم المشاريع العمومية، بمختلف جهات المملكة للرد بكيفية غير مباشرة على من يعتقد بأن ربط المسؤولية بالمحاسبة سيقتصر على مشروع منارة المتوسط بمنطقة الريف فقط، بل إن مهام المجلس الأعلى للحسابات سيشمل جميع المشاريع وبكل الجهات وهي إشارة من الملك إلى أن العقاب سيكون شاملا ولا يقتصر على مسؤولي جهة دون أخرى، وهذا ما زلزل رؤساء وولاة وعمال ورؤساء ومنتخبي جميع جهات المملكة؛

الرسالة السادسة: تأكيد جلالته أن لا شيء يعلو على كرامة المغاربة الذين هم بحاجة إلى التنمية المتوازنة والمنصفة، التي تضمن الكرامة وتوفر الدخل وفرص الشغل والقضاء المنصف والفعال، وإلى الإدارة الناجعة بعيدا عن كل أشكال الزبونية والرشوة والفساد؛

الرسالة السابعة: تأكيد جلالته على أن اتساع دائرة الفوارق بين الفئات والتفاوتات المجالية والفشل في إرساء العدالة الاجتماعية بالبلاد هي أخطر ما يهدد الإصلاحات الدستورية والسياسية والمؤسساتية التي يعرفها عهد الملك محمد السادس مما أساء ويسيء إلى صورة البلاد داخليا وخارجيا؛

الرسالة الثامنة: خطورة الأوضاع دفعت جلالة الملك إلى الخروج عن لغة المجاملة أو التنميق للتأكيد لأعضاء الحكومة وممثلي الأمة ومن خلالهم الشعب على أن فرضية إحداث جلالته “زلزالا سياسيا” تبقى أكثر ورودا بسبب استمرار تجاهل رسائل خطاب العرش من لدن الطبقة السياسية؛ الأمر الذي يمكن قد يكون وراء تلاوة آية “شر الدواب الصم البكم” على مسامع رئيس الحكومة وأعضاء حكومته ورئيسي البرلمان والبرلمانيين والمستشارين. والحديث عن “الزلزال السياسي “عند ملك البلاد معناه أن النظام سيأخذ مبادرة التغيير الإيجابي ولو بطرق استثنائية؛ وهو الأمر الذي يضعنا أمام عدة سيناريوهات ممكنة أن تقع في الأيام أو الأسابيع أو الشهور المقبلة، منها:

– تفعيل مضمون الفصـل الـ11 من الدستور الذي ينص على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، ذلك بالدعوة إلى إجراء لانتخابات سابقة لأوانها، وهذا سيناريو مستبعد آنيا، لكنه يبقى حاضرا في المدى الاستراتيجي لكون تكلفته جد غالية

– بحكم ما نص عليه الفصـل 42 من الدستور بكون الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات يمكنه إعفاء رئيس الحكومة الحالي وتعيين رئيس حكومة وطنية.

– استقالة رئيس الحكومة وإعفاء الحكومة بكاملها. وفي هاته الحالة تواصل الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة.

– حل الملك لمجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير حسب منطوق الفصل 51، طبق الشروط المبينة في الفصول96 و97 و98.

– تفعيل الفصل الـ59 من الدستور وإعلان حالة الاستثناء بظهير بعد استشارة كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب إلى الأمة.

– تفعيل منطوق الفصـلين 96 و97 من الدستور اللذين ينصان على: للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، أن يحل بظهير المجلسين معا أو أحدهما. يقع الحل بعد خطاب يوجهه الملك إلى الأمة.

يتم انتخاب البرلمان الجديد أو المجلس الجديد في ظرف شهرين على الأكثر بعد تاريخ الحل.

– إمكانية القيام بتعديل حكومي جزئي وإعفاء كل من تبث في حقه الإهمال ودعوة حزب الاستقلال إلى المشاركة في الحكومة.

الرسالة التاسعة: مطالبة الحكومة بتفعيل الجهوية المتقدمة بمختلف الجهات لما تحمله من حلول وإجابات للمطالب الاجتماعية والتنموية وفق جدول زمني مضبوط لاستكمال تفعيلها، وهي مهمة صعبة لرئيس الحكومة في ظل نوعية النخب وأعضاء مجالسها التي تعاني من ضعف رهيب على مستوى الحكامة الترابية.

الرسالة العاشرة: ضرورة وضع الشباب في صلب كل إصلاح أو سياسة عمومية، لكون الشباب هو الثروة الحقيقية للمغرب والمحرك الأساسي للتنمية وليس العائق أمام تحقيقها؛ وهو ما بوأ وزارة الشباب والرياضة مكانة محورية في هذا الخطاب الأمر الذي سيضعها أمام محك حقيقي في مدى قدرة مواردها البشرية الالتزام بمضامين الخطاب الملكي في ما يتعلق بمواضيع الشباب التي أكد جلالته أن التقدم الذي يعرفه المغرب لا يشمل -مع الأسف- فئة الشباب محملا المسؤولية في ذلك إلى كل القطاعات الحكومية وسياستها في مجال لتأهيل والإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب.

الرسالة الحادية عشرة: تأكيد جلالة الملك على أن الاختلالات التي يعاني منها تدبير الشأن العام ليست قدرا محتوما، وأن تجاوزها ليس أمرا مستحيلا، إذا ما توفرت الإرادة الصادقة وحسن استثمار الوسائل المتاحة ليرد بذلك على المتشككين في قدرة البلاد النهوض في كافة المجالات.

الرسالة الثانية عشرة: الاعتراف الملكي بأزمة التمثيل السياسي وبفساد الطبقة السياسية التي أصبحت لا تخدم المصالح المجتمعية بل لا تخدم الا مصالحها لكون الحزبقراطية – بلغة آلان تورين — ALAIN TOURAINE- قضت على الديمقراطية ونزعت عنها صفتها التمثيلية وافقدتها القيام بدور الوساطة مما يعرض الأنظمة السياسية لمخاطر المواجهة مع الشعب.

الرسالة الثالثة عشرة: تتعلق بتفعيل مضمون خطاب ثورة الملك والشعب الأخير حول إفريقيا؛ وذلك بإحداث وزارة منتدبة بوزارة الخارجية مكلفة بالشؤون الإفريقية، وخاصة الاستثمار، وخلية للتتبع، بكل من وزارتي الداخلية والمالية. وبهذا القرار رد الملك على المتشككين في مدى مصداقية إستراتيجية جلالته اتجاه إفريقيا من جهة، ومن جهة أخرى يعد إحداث وزارة منتدبة بوزارة الخارجية مكلفة بالشؤون الإفريقية مدخلا لتعديل حكومي قريب ومرتقب؛ وهو ما جعل عددا من الوزراء والأحزاب تضع أيديها على قلوبها، خصوصا بعد انتخاب نزار بركة أمينا عاما لحزب الاستقلال.

بصفة عامة، خطاب الملك أمام البرلمانيين لم يخرج عن القاعدة العامة لخطاباته السابقة التي أصبحت تظهر ملك البلاد كأكبر معارض لسياسة الحكومة ومؤسسات الدولة في تدبير السياسات العمومية. قلق الخطاب الملكي تبرره خطورة الأوضاع وسخط الملك على الطبقة السياسية.

أمام هذا الوضع الاستثنائي، اختار جلالة الملك مخاطبة النخب السياسية والبرلمانية بلغة ذات كينونة سياسية قوية تجسدت في كلمة “الزلزال السياسي” وما تعنيه من دلالات عميقة زلزلت عقول هذه الطبقة التي فهمت أن ملك البلاد يؤسس لمرحلة جديدة لوضع نهاية لمسار التشخيص والنقد وتدشين مسار مرحلة جديدة ستحدث زلزالا سياسيا بعد عناد الطبقة السياسية واستمرارها نهج الشعبوية والعبثية والاستهتار بخطورة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتداعياتها على المواطنين الوطن في ظل سياق إقليمي ودولي مضطرب يواجه فيه المغرب زخما من التحديات وطرح أسئلة حارقة: أين يتجه المغرب؟ وماذا يجري فيه؟ ما هي حال القيم السياسية والمؤسسات التمثيلية؟ ولماذا يسير المغرب بوتيرتين: وتيرة المؤسسة الملكية التي تقود ثورة كبرى على كافة المجالات، ووتيرة الحكومة والأحزاب التي تعيش على وتيرة تدبير أزماتها الداخلية؟ ومتى سيحدث ملك البلاد الزلزال السياسي الذي ينتظره الشعب منذ خطاب عيد العرش الأخير؟ إلخ

لذلك، نقول أكيد أنه سيكون لخطاب عيد العرش وخطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة ما بعدهما. عن هيسبريس.

*أستاذ التعليم العالي جامعة محمد الخامس الرباط

التعليقات مغلقة.